الشيخ محمد مهدي الكجوري الشيرازي

139

الاجتهاد والتقليد

واجدة لكلتاهما ، والأقسام بالحصر العقلي منحصرة في هذه الأربعة . فإن كانت في نفسها واجدة للمصلحة الذهنيّة المقتضية للوجوب وتعلّق الأمر بها ، ثبت المطلوب . وإن كانت واجدة للمفسدة الذاتيّة ، فالأمر بها مستلزم للقبح ، لأنّ الراجح فيما فيه مفسدة ذاتيّة بحكم العقل النهي عنه ، فالأمر به ترجيح للمرجوح ، والعقل والنقل متطابقان في استحالته على اللّه تعالى . وإن كانت واجدة لكلتيهما ، فلا يخلو إمّا المصلحة راجحة أو المفسدة راجحة أو هما متساويان ، وعلى الأوّل يثبت المطلوب ، وعلى الثاني يلزم ترجيح المرجوح على الراجح ، وعلى الثالث يلزم الترجيح من غير مرجّح ، وكلاهما قبيح على الممكن المحدود بحدود النقص ، فضلا عن الواجب الذي لا حدّ لكماله وتماميّة ذاته . وإن كانت خالية عنهما ، يلزم من ترجيح جانب الفعل على جانب الترك الترجيح بلا مرجّح ، وقد عرفت بطلانه . وهكذا نستدلّ بالترديد على هذا الوجه في سائر الأحكام ، فتبيّن من هذا البرهان العقلي أنّ الواجبات واجدة للمصلحة الكامنة في ذاتها ، وصار كمالها إلى حدّ اقتضى وجوبها ، والمحرّمات واجدة للمفسدة الكاملة الكامنة في ذاتها ، والمندوبات واجدة بكلتيهما ، لكن جهة المصلحة فيها راجحة على جهة المفسدة ، والمكروهات بالعكس ، والمباحات إمّا خالية عنهما وإمّا واجدة لهما لكن على وجه التساوي ، وضرورة المذهب الطائفة المحقّة حكمت برجوع مصالح التكاليف إلى العباد ، لا إليه تعالى شأنه عمّا يقولون علوّا كبيرا ، وبأنّ لتكاليفه جهة مولويّة تستلزم العقاب بالمخالفة . فتبيّن أيضا أن لتكاليفه تعالى جهتين ، إحداهما من قبيل التكاليف الصادرة عن الموالي بالنسبة إلى العبيد ، والثانية من قبيل التكاليف الصادرة عن الأطبّاء بالنسبة إلى المرضى .